ترجمة بحث | التعريب وأثره على اللغة العربية

تعتبر عملية التعريب عملية أساسية وهامة في هذه المرحلة في عالمنا العربي نظراً لتطور العلم بسرعة ووجوب مواكبته عبر تطوير مصطلحات علمية وسياسية وأدبية واقتصادية وغيرها، وهي حاجة حضارية لا يمكن تجاهلها والعيش بدونها إذ أن العلم هو شيء مشترك بين جميع اللغات، ونتيجة لذلك من الطبيعي أن نجد في القواميس العربية العديد من المصطلحات المعربة.

وإن عملية التعريب ليست وليدة اليوم، إذ قام العرب بتعريب العديد من الكلمات في العصر الجاهلي من اللغات الفارسية والرومانية مثل كلمات “فلفل” و”سجنجل” والتي تعني المرآة، كما أن كلمة “المجسطي” وهي عنوان أقدم كتب علم الفلك الذي ألفه بطليموس في الإسكندرية وترجمه إلى العربية إسحاق بن حنين هي كلمة معربة تعود إلى العصر العباسي.

 

فما هو التعريب؟

إن فكرة تعريب اسم أجنبي تعني أن يلفظه العرب وفقاً لمنهجهم ولسانهم. وتعريب شيء ما وفقاً للجواهري يعني أن يكون شبيهاً بالعرب.
ومصطلح التعريب يعني نقل الكلمة الأجنبية ومعناها إلى اللغة العربية وفقاً لقواعد وأسس تضمن وضوحها وفصاحتها.

وهكذا نرى أن مصطلح التعريب يشمل عدة جوانب منها الكشف والتوضيح والحرص على صياغة كلمات جديدة دون التعدي على القواعد اللغوية وعلم النحو والبلاغة، ودون المس بمغزى اللغة وسلامتها وأهميتها.

 

نظراً للتقارب الجغرافي بين العرب والأمم المجاورة، وبسبب نشوء علاقات تجارية واقتصادية بينهم، بالإضافة إلى الرحلات والفتوحات الإسلامية واحتكاك العرب بالأمم الأخرى، كل ذلك أدى إلى انتقال بعض الكلمات الأجنبية إلى اللغة العربية وبالعكس. وقد لجأ العرب إلى التعريب حين لم يتمكنوا من إيجاد كلمة عربية يمكن ترجمة الكلمة الأجنبية إليها، أو إيجاد كلمة يمكن اشتقاق اسم أو فعل جديد منها. وحين انتقلت تلك المصطلحات الأجنبية الجديدة إلى اللغة العربية أطلق عليها العلماء العرب مصطلح “كلمات معرّبة”، وقد تم اعتبار بعض الكلمات التي دخلت في الحوارات والأدب كلغة عربية كلاسيكية.

واليوم، تعتبر عملية تعريب العلوم الحديثة والتقنية من أعمدة تطور البلد ليتمكن من مجاراة الحضارة والإبداع والمشاركة الفعالة في مجالات العلوم.

 

تكمن أهمية التعريب في:

  • إثراء اللغة العربية بالمصطلحات التقنية والعلمية والرموز والقواميس التخصصية والكتب العلمية المؤلفة بلغة عربية فصيحة.
  • تنمية روح الإبداع عن الطلاب العرب.

 

ولا بد للغة الحية من التفاعل مع غيرها من اللغات أخذاً وعطاءً، وبالتالي لا مشكلة في تواجد بعض الكلمات الأجنبية ضمنها، لكن لا بد أن تدار هذه العملية من قبل باحثين مختصين.

لا يرتبط تعريب العلوم بطبيعة اللغة وقابليتها للتشرب، إذ أن عملية التعريب هي عملية تشذيب كلمة خارجية وفقاً لوزن وبنية اللغة العربية، وصبغ الكلمة الأجنبية بصبغة اللغة العربية، أو هي عملية إعادة تشكيل كلمة أجنبية بحروف عربية، ليتمكن العرب من نطقها بلغتهم. وتمتلك اللغة العربية قدرة هائلة على تعريب الكلمات الأجنبية بسبب بنيتها المميزة. إذ تمتلك حروفاً وأفعالاً وقواعداً وشعراً وخصائص تميزها عن غيرها. وإن وجود بعض الكلمات الأجنبية يضفي عليها جمالاً خاصاً وفتنة لا تمس روحها وهويتها.

ويمكننا القول أن الكلمة المعربة هي كلمة تمت استعارتها من لغة أجنبية، وتم تطويعها وفقاً للنظام الصوتي والشكلي للغة العربية عبر إضافة بعض الحروف أو حذفها أو تبديلها بحروف عربية.

 

يتفق علماء اللغويات العرب على حاجة اللغة العربية إلى المصطلحات العلمية والتقنية، ولكن تختلف وجهات نظرهم وآرائهم في سبل معالجة حل هذه المشكلة التي تعتبر من أكبر المشاكل التي تواجهها اللغة العربية في عصرنا الحالي.

 

إن قضية المصطلحات العلمية والتقنية هي حاجة ماسة يجب متابعتها لتحقيق هدف نشر العلم الحديث وهو هدف مرتبط بهوية الأمة الحضارية، وهو هدف تسعى إليه أكاديمية اللغة العربية عبر الاتفاقية الثقافية للتعريب والترجمة المبرمة بين الدول العربية عام 1945، والتي تنص على أن توحيد المصطلحات يجب أن يتم فقط عبر الاكاديميات اللغوية والمؤتمرات واللجان المشتركة والكتيبات التي تنشرها الهيئات، وفي عام 1964 ركز ميثاق الوحدة الثقافية الذي أقرته أكاديمية اللغة العربية على ضرورة السعي إلى توحيد المصطلحات الثقافية والعلمية ودعم حركة التعريب. وصرح “علي القاسمي” أن “الهدف الرئيسي من توحيد المصطلحات العربية هو إيجاد لغة علمية عربية مشتركة ومفهومة من قبل جميع العلماء والتقنيين في الدول العربية كافة، مما يجعلها أداة فعالة للتعليم والبحث والكتابة والترجمة في مجال العلم والتكنولوجيا الحديثة.”

 

ما هي شروط التي وضعها العلماء العرب لترجمة المصطلح العلمي:

  • وجود ارتباط دقيق بين المعنيين الأصلي والجديد.
  • تفضيل المعنى على الكلمة بحد ذاتها.
  • أن لا يكون للمصطلح الجديد دلالات قديمة شائعة ومعروفة.
  • أن لا تستخدم كلمة واحدة للدلالة على أكثر من معنى، وتخصيص كلمة واحدة لكل مصطلح معين.
  • أن لا يوجد أكثر من معنى للمصطلح العلمي الواحد لمنع تشتت ذهن المتعلم، فالمصطلح الجديد يجب أن يتفق عليه علماء اللغويات العرب.
  • الابتعاد عن الكلمات صعبة اللفظ أو المضللة بسبب ثقلها على اللسان، والكلمات التي قد تحمل دلالات بذيئة.

عوائق عملية التعريب

على الرغم من وجود قواعد دقيقة تتحكم بعملية التعريب، وذلك بفضل الجهود المبذولة من قبل كبار علماء اللغويات، إلا أن هذه العملية تواجه بعض العقبات، مثل اختلاف طرق التعريب بين البلدان العربية، كما أن كل الجامعات العربية تدرس العلوم باللغات الأجنبية باستثناء الجامعات السورية، وهذه القضية هي أحدى أهم القضايا بخصوص التعريب في التعليم الجامعي العربي.

طرق التعريب

تتلخص طرق التعريب التي يمكن عبرها تشكيل كلمات جديدة تعبر عن معانٍ جديدة بالطرق التالية:

  • الاستعارة اللغوية
  • المجاز
  • الدمج

الاستعارة اللغوية:

هي إحدى الظواهر اللغوية التي حازت على انتباه علماء اللغويات، وهي عملية تأخذ عبرها إحدى اللغات عناصر لغوية من لغة أخرى، وتحاول أن تستنسخ من تلك اللغة الأجنبية صورة مشابهة لغوياً تضيفها إليها.

ويعرفها المعجم الوسيط كالتالي: هي إضافة أو استعارة كلمات من لغة إلى لغة أخرى، وهي عملية مجازية لأن الاستعارة تعني أن يأخذ الفرد شيئاً ما يستفيد منه لفترة مؤقتة ثم يعيده إلى صاحبه، إلا أن هذا الأمر لا يصح في موضوع اللغات، لأنه من غير المنطقي أن تستعير مصطلحاً من لغة ما ثم تعيده إليها. ولكن المقصود هنا أن الكلمات المعربة أو المستعارة تضاف إلى القاموس كمفردة أجنبية.

وقد حصلت الاستعارة كنتيجة للتواصل والتفاعل بين الأمم، إذ كان العرب قبائل كبيرة ومبعثرة في أصقاع الأرض، وتفاعلوا مع الفرس والهنود واليونان، وحلت اللغة العربية مكان اللغات الفارسية والأرمينية والقبطية في العراق ومصر.

وإن الكلمات المعربة والأجنبية لها دور مهم في الحضارة، إذ أن ظهور مصطلحات جديدة في مجالات الاقتصاد والفلسفة والصناعة وغيرها قد أثرت القواميس العربية، بل أدت إلى ظهور قواميس متخصصة في مجالات الاقتصاد والسياسة والفلسفة والهندسة وغيرها ..

 

ويؤمن الباحثون أن الاستعارة ليست بالمهمة الصعبة إذا ما تمت عبر المختصين والمخلصين من أبناء الأمة وهو موجودون في كل عصر، وبشرط وجود معايير لغوية دقيقة، ولا داعي للخوف على اللغة العربية إذ الله نفسه تكفل بحفظها إذ قال في القرآن الكريم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” الحجر (9).

 

المجاز:

الترجمة المجازية هي ترجمة مصطلح من معنى إلى آخر بحيث يتشارك المعنيان دلالة واحدة. وقد يتغير معنى المصطلح من زمن إلى آخر نتيجة التغيرات الاجتماعية. من الأمثلة: “المجد” و”الغفران”. فالمجاز هو تسمية شيء ما باسم آخر، وهي طريقة للتوسع باللغة عبر اشتقاقها من نفسها، وعبرها يمكن للأسماء القديمة أن تشير لمعانٍ حديثة عبر الترجمة المجازية.

وهي تعتمد على السياق اللغوي لتحديد المصطلح وتفضيله على غيره، وهذا من ميزات اللغة العربية وتعرف هذه الظاهرة بالمتضادات، أي الكلمات التي لها نفس التركيب ولكن تحمل معانٍ مختلفة. ويستخدم المصطلح حتى يصبح المعنى المجازي هو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن أولاً. ومن الأمثلة على ذلك كلمة “وجدتُ” إذ يمكنك أن تقول: وجدتُ شيئاً. وتعني هنا أنك وجدت شيئاً كنت قد أضعته. ولكنك تستخدم نفس التركيب بمعنى مختلف حين تقول: وجدت زيادة شهماً. وهذا يعني أنك عرفت صفة من صفات زياد.
وهكذا نجد أن الترجمة المجازية هي شكل آخر من أشكال التعريب عبر القياس والمجاز أو الكناية، وهي طريقة شائعة بين العلماء.

 

الدمج:

هو خلق كلمة جديدة اعتباراً من كلمتين أو أكثر، وهي كلمة تختلف بمعناها وبنيتها عن الكلمات الأصل. والدمج هو وسيلة لنقل الكلمات الأجنبية إلى العربية حين لا نجد لها مكافئاً.

وتختلف هنا آراء علماء اللغويات، إذ يعتقد البعض أن الدمج وسيلة تثري اللغة العربية ويعتبرونها وسيلة لا غنى عنها في اللغة العربية الحديثة لتتمكن من مواكبة الحضارة وعلومها.

 

وهكذا نجد أن اللغة العربية تستغل كل قدراتها وخصائصها لتتكيف مع دفق الحضارة ومعارفها وعلومها، وعند استخدام طريقة الدمج لا بد من أخذ وزن الكلمة العربية وإيقاع حروفها بعين الاعتبار قبل تركيب الكلمة الجديدة.

 

ولا بد من الإشارة إلى تميز اللغة العربية بمرونتها وقابليتها للتشرب والترجمة من اللغات، دون أن تفسد أو تفقد هويتها، بل تزداد بذلك خصوبةً وتتحول إلى لغة عالمية للحضارة. فاللغة العربية هي أوسع وأدق اللغات السامية من ناحية القواعد والمصطلحات والكلمات، ويتكلم بها اليوم أكثر من مليار مسلم، وأصبحت تدرس في الجامعات الكورية الجنوبية باعتبارها شرطاً للنجاح الأكاديمي.

كيف نميز بين المصطلحات العربية والمعربة؟

يمكن التمييز بين الكلمات العربية والمعربة عبر عدة طرق مثل الاستعانة بخبرة أخصائيي اللغة العربية وإشارتهم إلى كلمة ما على أنها كلمة أجنبية معربّة وليست أصلية، أو عبر وزن الكلمة، كما أن الكلمات التي تبدأ بحرف “ن” متبوعاً بحرف “ر” مثل كلمة “نرجس” هي كلمات غير موجودة باللغة العربية، وكذلك التي تنتهي بحرف “س” وقبل “د” مثل “مهندس”، والكلمات التي تحوي ضمنها حرفي “ص” و “ج”.

 

التعريب هو أحد أهم المواضيع التي تعنى بزيادة ثراء اللغة وخصوبتها وقدرتها على النمو. ولهذا الموضوع جوانب متعددة، منها ما يرتبط بتعريب المصطلحات العلمية، أو بترجمة كتب الأدب والفكر العالمية، وكذلك بتعريب التعليم الجامعي.

 

وبالنظر إلى تعدد العلوم وكثرتها، يصبح من الضروري نقل الكثير من المصطلحات وتعريبها، ولهذا النقل بعض القواعد والقوانين التي يمكن حصرها في أربعة أمور هي:
1- تعديل المعنى القديم للكلمة.
2- اشتقاق كلمات جديدة من كلمة عربية أصلية أو مشتقة للدلالة على معنى جديد.
3- ترجمة كلمات أجنبية مع معانيها.
4- تعريب كلمات أجنبية مع معانيها.

 

ومن الجلي أن العلماء العرب قد ركزوا على ضرورة التمسك بالأوزان والصيغ العربية للكلمات عند تعريبها، كما أكدوا على ضرورة إيلاء الاهتمام للمعنى أكثر من الكلمة بحد ذاتها.

وإن الرغبة بمواكبة العصر هو ما دفع بالعلماء والباحثين العرب والأكاديميين اللغويين والمعاهد الوطنية لتطوير مصطلحات علمية جديدة، لأن المصطلح هو أداة البحث ولغة التفاهم بين العلماء.

 

وقد كان من الطبيعي أن تواكب اللغة العربية غيرها من اللغات الأخرى السائرة على درب التطور دون تراخي أو تجاهل لروح اللغة وقواعدها، ولذلك قررت أكاديمية اللغة العربية أن تتبنى مشروعاً علمياً محدداً بحيث يمكن الخروج من التنظير إلى التطبيق العملي. وهكذا استفادت اللغة العربية من تجربتها التاريخية الطويلة واستوعبت نتائج المعرفة والعلوم التي توصل إليها الإنسان، وأمكن وضع قواعد وأسس واضحة لاختيار المصطلحات اللغوية التي تشير إلى المعاني العلمية الجديدة.

 

وقد عقدت العديد من المؤتمرات والندوات المختصة بالتعريب في مختلف البلاد العربية وفي الأكاديميات اللغوية والجامعات. وخلصت هذه المؤتمرات إلى أبحاث عديدة في مختلف قضايا التعريب بمعناه الأوسع، وخرجت بتوصيات جديدة، وأكدت على ارتباط عملية التعريب بالإرادة السياسية للبلد عبر القرارات السياسية الصادرة عن أعلى مؤسسات السلطة.

 

وهكذا واجهت اللغة العربية مشكلة المصطلحات العلمية للمرة الأولى في تاريخها، وتمكنت عبر الكنوز اللغوية المنبعثة من طبيعتها وخصائصها أن تثري نفسها بالحياة وتتطور لتتكيف مع حضارة الإنسان وثقافته. وكان الاشتقاق والاستعارة والابدال والدمج والتعريب بعض الوسائل لنمو اللغة وتطورها. وقد وجد العلماء في الاشتقاق مجالاً واسعاً لتطوير اللغة واثرائها بالمصطلحات العلمية، إذ لم يتقيدوا بالاشتقاق من الكلمات المعبرة عن المعاني فقط بل اشتقوا من أسماء الأشياء، فقالوا (مصنوع من الذهب) اشتقاقاً من اسم (الذهب)، كما اشتقوا مصطلحات جديدة من كلمات معربة، فاشتقوا كلمة (هندسة) من الكلمة المعربة (هندس) وكذلك (دراسة المنطق) من كلمة (منطق).

 

وهكذا ناقشت هذه المقالة أهم القضايا والمشاكل التي تواجه اللغة العربية في العصر الحديث، والمتمثلة بقضية التعريب، وتأتي أهميتها من أهمية اللغة العربية في تعميق الهوية الوطنية والإسلامية، لغة القرآن الكريم عبر التاريخ والعصور.

 

تم ترجمة البحث وتدقيقه من قبل فريق أبجديات لخدمات الترجمة

 

  1. Pingback:مواقع ترجمة مجانية بدائل قوقل – أبجديات
  2. Pingback:افضل موقع ترجمة نصوص عربي انجليزي والعكس. – أبجديات

Leave a Comment

Your email address will not be published.

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

أخبرنا عن ما تريد ترجمته